حميد مجيد هدو

85

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج)

في مطلع سنة 1978 انخرطت بالدراسة في الحوزة العلميّة ، وكان شغفي المبكِّر بتعلّم الفلسفة هو الذي قادني للدراسة في النجف الأشرف ، بعد أن غادرت عملي معيداً في أحد المعاهد التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي وتخلّيت عن مرتّب شهري يتجاوز المئة دينار ، كنتُ بأمسّ الحاجة إليه ؛ لعدم توفّر أي مورد معاشي آخر لديّ ، غير أنّي كنتُ عميق الثقة بالله ، ولديَّ اطمئنان وسكينة يومذاك بأنّ الرزق تتكفّله يد الغيب . ومنذ اليوم الأوّل طفقتُ أفتّش عن مدرّس للفلسفة في الحوزة العلميّة ، وأسأل زملائي من طلّاب المعارف الإسلاميّة الذين توطّنوا النجف من قبلي ، لكنّ الجميع كانوا يرشدونني إلى دراسة المنطق ابتداءً ، باعتباره مدخلًا لدراسة المعارف الكلاسيكيّة ، ثمّ التفكير بتعلّم الفلسفة فيما بعد . ولاحظت أنّ بعضهم يتحدّث معي عن الدرس الفلسفي بحذر شديد ، فيما ألمحَ البعض الآخر بهدوء إلى ضرورة أن أترك التفكير في هذا الموضوع ، وأتفرّغ للدراسات الشرعيّة خاصّة . ولم أكُن وقتئذ أُميّز بوضوح بين حقلي الدراسات العقليّة والدراسات الشرعيّة في الحوزة العلميّة . وبعد الفراغ من دراستي للمنطق و « المقدّمات » عدت إلى البحث عن معلِّم للفلسفة ، ولبثتُ عدّة أشهر أتسقّط أنباء الأساتذة وأتساءل عن مشاغلهم والمعارف المهتمّين بتدريسها ، فلم أظفر بمدرِّس للفلسفة . غير أنّي اكتشفت في مرحلة لاحقة أنّ الدرس الفلسفي أمسى ضيّقاً جدّاً ، ويقتصر على أستاذين أو ثلاثة ، أبرزهم العلّامة السيّد مسلم الحلّي ، المُقيم في مدينة الحلّة ، والذي اعتاد أن يمكث كلّ عام عدّة أشهر في النجف لتدريس الفلسفة ، فكنت أتردّد على داره باستمرار بمعيّة أحد تلامذته القدماء ، فأسرّ لنا بأنّه سيبدأ الأسبوع القادم بتدريس منظومة الملّا هادي السبزواري ، بعد صلاتي المغرب والعشاء .